محمد بن جرير الطبري

82

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وخاضوا فيما قد كذب الله أحدوثتهم ، وخيب أمانيهم فيه مره بعد مره ، فلا تنهاهم الأولى عن الآخرة ، ولا يزجرهم عن ذلك تقيه ولا خشيه ، كل ذلك نغضى عليه ، ونتجرع مكروهه ، استبقاء على كافتهم ، وطلبا للصلاح والسلامة لهم إلحاحا ، فلا يزيدهم استبقاؤنا الا لجاجا ، ولا كفنا عن تأديبهم الا إغراء ، ان اخرنا عنهم افتتاح الخراج نظرا لهم ورفقا بهم قالوا : معزول ، وان بادرنا به قالوا : لحادث امر ، لا يزدجرون عن ذلك بالشدة ان اغلظنا ، ولا برفق ان أنعمنا ، والله حسبنا وهو ولينا ، عليه نتوكل واليه ننيب وقد أمرنا بالكتاب إلى بندار آمل والرويان في استغلاق الخراج في عملهما ، واجلناهما في ذلك إلى سلخ تير ماه ، فاعلم ذلك ، وجرد جبايتك ، واستخرج ما على أهل ناحيتك كملا ، ولا يمضين عنك تير ماه ، ولك درهم باق ، فإنك ان خالفت ذلك إلى غيره لم يكن جزاؤك عندنا الا الصلب ، فانظر لنفسك ، وحام عن مهجتك ، وشمر في امرك ، وتابع كتابك إلى العباس وإياك والتغرير ، واكتب بما يحدث منك من الانكماش والتشمير ، فانا قد رجونا ان يكون في ذلك مشغله لهم عن الأراجيف ، ومانع عن التسويف ، فقد أشاعوا في هذه الأيام ان أمير المؤمنين أكرمه الله صائر إلى قرماسين ، وموجه الافشين إلى الري ولعمري لئن فعل أيده الله ذلك ، انه لمما يسرنا الله به ، ويؤنسنا بجواره ، ويبسط الأمل فيما قد عودنا من فوائده وأفضاله ، ويكبت أعداءه وأعداءنا ، ولن يهمل أكرمه الله أموره ، ويرفض ثغوره ، والتصرف في نواحي ملكه ، لاراجيف مرجف بعماله ، وقول قائل في خاصته ، فإنه لا يسرب أكرمه الله جنده إذا سرب ، ولا يندب قواده إذا ندب ، الا إلى المخالف فاقرا كتابنا هذا على من بحضرتك من أهل الخراج ، ليبلغ شاهدهم غائبهم ، وعنف عليهم في استخراجه ، ومن هم بكسره فليبد بذلك صفحته ، لينزل الله به ما انزل بأمثاله ، فان لهم أسوة في الوظائف وغيرها باهل جرجان والري وما والاهما ، فإنما خفف الخلفاء عنهم خراجهم ، ورفعت الرفائع عنهم للحاجة التي كانت إليهم في محاربه أهل